عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
201
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
والمشركين ، فيغويهم أولا بزينة الدنيا وزخارفها حتى يذهب بعقولهم ويعمى على قلوبهم ، ثم يدلهم على أسرار الكواكب وأصول العناصر وأمثال ذلك ، فيقول لهم هؤلاء الفعالون في الوجود فيعبدون الأفلاك لما يرونه من صحة أحكام الكواكب ، ولما يشهدونه من تربية الشمس بحرارتها لأجسام الوجود ، ولما ينظرونه من نزول المطر على حساب الطوالع والغوارب ، فلا يختلج لهم خاطر في ربوبية الكواكب ، فإذا قد أحكم فيهم هذه الأصول تركهم كالبهائم لا يسعون إلا للمآكل والمشارب ، ولا يؤمنون بقيامة ولا غيرها فيقتل بعضهم بعضا وينهب بعضهم بعضا ، قد غرقوا في بحار ظلمة الطبائع ، فلا خلاص لهم منها أبدا أبدا ، وكذلك يفعل بأهل العناصر فيقول لهم : ألا ترون أن الجسم مركب من الجوهر ، والجوهر مركب من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة ، فهؤلاء الآلهة التي ترتب الوجود عليهم ، وهم الفعالون في العالم ، ثم يفعل بهم ما فعل بالأول ، وكذلك عبدة النار فإنه يقول لهم : ألا ترون أن الوجود منقسم بين الظلمة والنور ، فالظلمة إله يسمى أهرمن والنور إله يسمى نردن ، والنار أصل النور فيعبدونها ، ثم يفعل بهم ما فعل بالأول ، وهكذا فعله بجميع المشركين . المظهر الثاني : هي الطبيعة والشهوات واللذات ، فيظهر فيها للمسلمين العوام ، فيغويهم أولا بمحبة الأمور الشهوانية ، والرغبة إلى اللذات الحيوانية مما اقتضته الطبيعة الظلمانية حتى يعميهم ، فعند ذلك يظهر لهم في الدنيا ويخبرهم بأن هذه الأمور المطلوبة لا تحصل لهم إلا بالدنيا ، فينهمكون في حبها ويستمرّون في طلبها ، فإذا فعل بهم هذا تركهم ، فإنه لا يحتاج معهم بعد هذا إلى علاج ، فإذا صاروا أتباعه فلا يعصونه في شيء يأمرهم به لمقارنة الجهل بحبّ الدنيا ، فلو أمرهم بالكفر فكفروا ، فحينئذ يدخل عليهم بالشك والوسواس في الأمور المغيبة التي أخبر اللّه عنها فيوقعهم في الإلحاد وتم الأمر . المظهر الثالث : يظهر في الأعمال الصالحين ، فيزين لهم ما يصنعونه ليدخل عليهم العجب ، فإذا أدخل عليهم العجب بنفوسهم وأعمالهم غرّهم بما هم عليه فلا يقبلون من عالم نصيحة ، فإذا صاروا عنده بهذه المثابة قال لهم : يكفي لو عمل غيركم عشر معشار ما تعملونه لنجا ، فقللوا في الأعمال وأخذوا في الإستراحات واستعظموا أنفسهم واستخفوا بالناس ، ثم إذا أكسبهم هذه الأشياء مع بؤس ما كانوا عليه من سوء الخلق وسوء الظن بالغير انتقلوا إلى الغيبة ، وربما يدخل عليهم المعاصي واحدة بعد واحدة . ويقول لهم : افعلوا ما شئتم فإن اللّه غفور رحيم ، واللّه ما يعذّب